الاعشاب الطبية، ان لم تنفع لن تضر

تشير معظم  الدراسات الى الاقبال المتزايد على طلب العلاج بالأعشاب الطبية في كل العالم اعتقاداً بأن «الطبيعي مأمون» و ليس له اعراض جانبية، وهو ما نراه من رغبة المرضى و ذويهم من محاولة لاستبدال الأدوية «الكيميائية» باخرى «طبيعية» تجنباً من الاعراض الجانبية للاولى، ولعل ما يزيد الخطر على سلامة المرضى و المجتمع استغلال النصابين وترويجهم لهذه العقائد الباطلة بهدف بيع منتجاتهم، و هو ما يقترن عادة بحرمان المريض من علاج  اكثر كفائة، دون ان يتحقق له وهم الاعراض الجانبية الاقل.

والغريب هو ان هذه العقيدة الباطلة لم يقل بها اي من الاطباء العظام منذ جالينوس الى آلالاف الأبحاث المحكمة في الطب الحديث مروراً  بأطباء الحضارة الاسلامية مثل الرازي و ابن سينا حيث ذُكرت الكثير من مضار «الأعشاب الطبية» بل صُرح بأن منها السموم القاتلة، و لهذا كانت الدقة في استخراج مقدار «الجرعة» العلاجية و الحد الأقصى من «الجرعة»، اضافة لاستخراج «الجرعة» القاتلة.

لعل مما يؤدي الى انتشار هذه العقائد الجهل بالأعراض الجانبية للأدوية -الكيميائي منها و الطبيعي- وكيفية حدوثها، و من هذه الأعراض:

- الضرر على الجنين لدى النساء الحوامل:

في الطب الحديث: في العام 1957 بالمانيا الغربية بدأ تسويق دواء Thalidomide  احد اكثر الادوية نجاحاً في تاريخ الطب. استخدم هذا الدواء بداية كمهدئ و منوم، ثم تبين انه مضاد للتقيؤ عند الحمل، قافبلن النساء الحوامل عليه، سيما و انه كان يباع دون وصفة طبية، حيث كان الاعتقاد الشائع حتى ذلك الحين ان الادوية لا تؤثر على الجنين، لظنهم ان المشيمة تمنع انتقال الدواء له. بعد عدة سنين، ظهر انتشار مرض جديد لم تعرف البشرية له شيوعاً، حيث تبين ان آلاف الأجنة ولدوا دون اطراف و هو ما سمي بـ Phocomelia (نقص الاطراف الخلقي) و بعد البحث العلمي، تبين ان هذا المرض بدأ مع تسويق الدواء، كما تبين -بخلاف الكثير من الادوية- ان جرعة واحدة فقط من هذا الدواء يمكن ان تسبب هذا المرض للجنين.

تسببت هذه الكارثة بتحديث قوانين البحث العلمي على الادوية، و ما يتعلق باصدار الترخيص لها، كما ذكر مرة اخرى بـ «كوارث العلم»، و تبين ان الكثير من الادوية يمكن ان تؤثر على النمو السليم للجنين، و لكن ليس بالضرورة بجرعة واحدة مثل هذا الدواء.

من الطريف ان الكثير من الأطباء العظام في الطب الطبيعي اشار لمثل هذه الاعراض الجانبية لأعشاب طبيعية، بل ان منها ما يستخدم كغذاء مثل الكرفس؛ ينقل الطبيب العربي الشهير «ابن البيطار» عن جالينوس  أنه قال : «إن المرأة الحامل إذا أكثرت في وقت حملها من أكله تولد في بدن الجنين بعد خروجه من البطن بثور رديئة وقروح عفنة ولهذا كره جميع الأطباء أن تطعم الحامل كرفساً لئلا يخرج الجنين أحمق ضعيف العقل وهذا من فعل الكرفس بتصعيده فضول البدن إلى أعاليه».

الكثير من الأعشاب الطبية يمكن ان تؤثر على الجنين بعاهات خلقية او تسبب السقط، و ليس من الضرورة ان تكون مثل دواء الـ Thalidomide   بجرعة واحدة سبباً لمرض ظاهر منذ الولادة، بل قد تكون الاضرار غير محسوسة الا بعد سنين طويلة و بالبحث العلمي فقط (مثل الاثر على الذكاء، كالمثال الذي ذكره ابن البيطار عن جالينوس).

لا شك ان غير المختص المتابع لآخر الأبحاث العلمية عاجز عن رصد آثار الدواء العشبي، و الذي لن تعرف المريضة غالباً انها وقعت ضحية جهل او احتيال، بل ربما تستمر في التسويق لذات الدواء العشبي الذي منع التقيؤ عنها حين الحمل مثلاً، دون ان تعرف انه سبب المعاناة لها و للطفل.

الاعاقة الناتجة عن تناول عقار الثالوداميد

- التداخل الدوائي مع ادوية طبيعية او كيميائية اخرى:

من المعروف ان اثر بعض الادوية يتزايد، يقل او يتغير ان استخدم بالترامن مع دواء آخر و يُعرف هذا بالتداخل الدوائي. يؤدي التداخل الدوائي للكثير من الاعراض التي قد تصل للوفاة كما قد يحدث عند استخدام الفياجرا (Sildenafil) مع النيتروگليسرين (Nitroglycerin) بسبب تسببها معاً بهبوط شديد في ضغط الدم. الاعشاب الطبية يمكن لها ان تتداخل و تؤثر بزيادة او ابطال او تغير اثر دواء حديث كما يؤثر الزنجبيل مثلاً في زيادة اثر الادوية المانعة للتخثر، او كما يبطل سنبل الطيب الدواء الاكثر شيوعاً في العالم كمهدئ و منوم اثر بعض الادوية المضادة للسرطان. من الضروري ان يكون طبيبك على علم بما تستخدم بالتزامن مع الادوية التي يصفها لك، كما من ان من الضروري ان تعتاد زيارة المواقع الموثوقة بفحص التداخل الدوائي -الذي يشيع فيه الخطأ الطبي، لا سيما مع الاعشاب الطبية-.

لم يغفل الاطباء القدامى عن هذا الموضوع بل الفوا فيه كتباً كاملة مثل كتاب «اصول تركيب الادوية» لنجيب الدين محمد بن علي السمرقندي.

- الاضرار ببعض الاشخاص وليس كلهم:

يعاني حوالي 20% من سكان البحرين من مرض نقص الخميرة او G6PD ويعيش هؤلاء كالأصحاء ان لم يتناولوا الباقلاء -وهو غذاء طبيعي منتشر- او بعض الادوية الكيميائية الشائعة الاستخدام و الآمنة بشكل عام وبالطبع يمكن ان تؤثر قائمة طويلة من الاعشاب الطبية عليهم -كما يؤثر الباقلاء-.

ايضاً لم يغفل الاطباء القدماء عن مثل هذه الحالات، فذكروا ان الثوم -وهو ايضاً غذاء معروف- مضر للمحرورين يسبب لهم الصداع، كما كتب ان اغذية اخرى تضر المبرودين او الناقهين او الاطفال والشيوخ.

 

الخلاصة: الاعشاب الطبية مثل الادوية الكيميائية يمكن لها ان تسبب الضرر البالغ -والذي يصل لحد الوفاة- و الاستخدام الصحيح لها لا ياتي الا عبر دراسة تخصصية و بحث -يطول مدى الحياة-، و عليه فان هذه الخرافة باطلة يجب التحذير منها و من المروجين لها.

انظر ايضا:

كتاب جمعية المنتجات العشبية الامريكية باسم Botanical Safety handbook و الذي يقع في حوالي 1000 صفحة يتناول فيه اضرار و التداخلات الدوائية للكثير من الاعشاب الطبية الرائجة في العالم.

كتاب امن النباتات